السيد عباس علي الموسوي

232

شرح نهج البلاغة

وسرور حينما يترقب انتصاره بهم ولكن معرفته بهم أدت إلى ندمه على هذه المعرفة وأتت له بالحزن والغم حيث كانت على خلاف ما يتوقع . . ( قاتلكم اللّه لقد ملأتم قلبي قيحا وشحنتم صدري غيظا ) ثم دعا عليهم بالطرد عن رحمة اللّه والبعد عن كرامته ومقاتلة اللّه للعبد تعني أبعاده وطرده عن ساحة رحمته . ثم ذكر تألمه وشدة تحسره بأنهم قد ملاؤا قلبه قيحا كناية عن المعاناة وبلوغ الألم منتهاه وكذلك ملأتم صدري غيظا أي حقدا وغضبا عليكم لما فعلتم . . ( وجرعتموني نغب التهمام أنفاسا وأفسدتم عليّ رأيي بالعصيان والخذلان ) جعلتم أنفاسي هما أتنفسه جرعة جرعة وأتناوله شيئا فشيئا فيكون موتا بطيئا قاسيا على النفس مؤلما لها . . . وأبطلتم عليّ ما أنا فيه من رأي صحيح سليم بعصيانكم وتمردكم ومخالفتكم لي . . . وتخلفكم عني وعن أمري . . ( حتى لقد قالت قريش : إن ابن أبي طالب رجل شجاع ولكن لا علم له بالحرب ) من جراء تمردهم عليه وعصيانهم له قالت قريش إن ابن أبي طالب رجل شجاع لا يخاف الأعداء ولا يهاب الموت ولكنه لا خبرة له بالحرب ولا علم له بفنونها وتنظيمها وكيف يكتسب النصر ويحقق الفوز وذلك على سيرة من ينسب إلى القائد النصر أو الفشل ولكنهم لم يعرفوا أن قوم عليّ خالفوا عليا ولم يطيعوه فيما يرسم من خطط ويضع من ترتيبات فيظنون أن عليا هو الذي يفشل في الحرب . . إن الإمام كان يصر على قتال البغاة ولا يرى غير هذا رأيا ، لا يقبل حلا وسطا ولا مفاوضات مستجدة بعد الأولى التي جرت ، ولكن معاوية وعمرو بن العاص ومن معهما رفعوا المصاحف فخدعوا المغفلين والبسطاء من أتباع الإمام فأجبروه على وقف القتال وقد نهاهم عن ذلك وقال لهم إن معاوية وعمرو بن العاص وغيرهما ليس لهم دين ولا أخلاق فأبوا عليه ولجو حتى أجبروه على التحكيم ثم فرضوا عليه أبا موسى الأشعري مفاوضا عنه حتى قال : « لقد جاؤني بأبي موسى الأشعري مبرنسا » وهكذا كان يرشدهم إلى طرق النصر ومسالك الفوز فكانوا يقابلونه بالرفض والتمرد والعصيان وهل بعد هذا تخفى على الإمام عوامل النصر ولا يعرف كيف يحقق الفوز . . . لقد أدرك العالم وكل مفكر حر وباحث مدقق أن عليا لو كان يطاع لانتزع النصر العسكري من معاوية وأصحابه وقضى عليهم بمن معه ولكن تمرد أصحابه وعصيانهم له